ليكسبريس: إسرائيل والولايات المتحدة لديهما هدف معلن: إسقاط النظام الإيراني. لكن ألا تختلف دوافعهما ورهاناتهما في هذه الحرب؟

فابريس بالانش: بإسقاط النظام الإيراني، ستتخلص إسرائيل نهائياً من التهديد النووي والصاروخي الإيراني، وكذلك ستتخلص من تمويل إيران لوكلائها في الشرق الأوسط (حزب الله، حماس، إلخ). هذا هو هدف كل من نتنياهو والدولة العميقة الإسرائيلية. بالنسبة لدونالد ترامب، فإن إيران، مهما قال، ليست تهديداً مباشراً للولايات المتحدة. فمن الصعب تصديق أن صاروخاً إيرانياً قد يضرب الأراضي الأميركية، هذا جزء من الدعاية لإقناع الرأي العام الأميركي. لكن الولايات المتحدة تريد أيضاً منع إيران من امتلاك برنامج نووي وصاروخي. على عكس الإسرائيليين، يعارض الرأي العام الأميركي عموماً هذه الحرب. ويتعين على ترامب أن يأخذ في الحسبان ممالك الخليج النفطية، التي اشترت أمنها بثمن باهظ. خلال جولته في ربيع عام 2025 في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر، جمع الرئيس الأميركي تريليون دولار من الاستثمارات مقابل حمايتهم.

يهدف محمد بن سلمان، من خلال رؤيته 2030 للمملكة العربية السعودية، إلى زيادة عدد سكان عاصمتها الرياض من 6 ملايين إلى 15 مليون نسمة. وقد تخلى فعلياً عن مشروع نيوم الضخم، لكن الاستثمارات فيه لا تزال هائلة. كل هذا يتوقف على الثقة والأمن. دول الخليج هذه عمالقة بأرجل من طين. فإذا هاجمت إيران شبكة الكهرباء فيها، سينهار كل شيء، وستفقد هذه الدول التكييف الضروري للبقاء في هذا المناخ الجاف. لكن أسوأ ما قد يحدث هو تدمير محطات تحلية مياه البحر، حيث سيموت سكانها عطشاً في غضون أيام. وقد شهدنا بالفعل تعطل حركة النقل الجوي والبحري. ثم دعونا لا ننسى أن الكويت استغرقت عشرين عاماً للتعافي من الغزو العراقي عام 1990… إذا اهتزت الثقة في دول الخليج هذه، فقد تنفجر فقاعة العقارات وينهار كل شيء. لهذا السبب لم تكن السعودية وقطر والإمارات ترغب في هذه الحرب. لا يزال على ترامب أن يأخذ هذه الدول في الحسبان، لأنها من أهم زبائنه.

ليكسبريس: برأيك، تقوم إسرائيل بعملية “تنظيف واسعة النطاق” منذ 7 أكتوبر 2023

بالانش: منذ الثورة الإسلامية عام 1979، بنى الإيرانيون شبكة في الشرق الأوسط، وكان حزب الله في لبنان أول حلقاتها. لكن الأحداث تسارعت في المنطقة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، مُستحضرةً أحداث ما بعد 11 سبتمبر/أيلول 2001. فحتى خريف 2024، امتلك حزب الله ترسانة من الصواريخ الإيرانية القادرة على ضرب إسرائيل في حال تعرض إيران لهجوم. وقد تمكن الجيش الإسرائيلي من تحييده. ثم شاركت إسرائيل في إسقاط نظام بشار الأسد، قاطعةً بذلك الممر الإيراني الذي كان يربط طهران ببيروت عبر سوريا. وبالطبع، قضت الدولة العبرية على حماس، التي كانت تُشكل التهديد المباشر في غزة. لكن التهديد الأكبر ظل قائماً: البرنامج النووي الإيراني. وصف علي خامنئي إسرائيل بأنها “ورم سرطاني خبيث يجب استئصاله”. وقد أخذ الإسرائيليون هذا الأمر على محمل الجد، مدركين تماماً أن هذا النظام الإيراني لم يكن ليتردد في استخدام السلاح النووي.

ليكسبريس: بإطلاقه النار على إسرائيل بعد مقتل علي خامنئي، تسبب حزب الله في ردٍّ عسكري قوي من جانب إسرائيل، ما قد يؤدي مرةً أخرى إلى نشر الفوضى في لبنان…

بالانش: لقد نفّذ حزب الله الأمر الإيراني، ما أثار استياءً شديداً لدى اللبنانيين، بمن فيهم الشيعة. فالبلاد ما زالت بالكاد تتعافى من حرب عام 2024. اللبنانيون في حالة صدمة، لأن حزب الله ليس لديه إطلاقاً القدرة على الصمود في وجه هجوم إسرائيلي جديد، نعلم أنه سيكون عنيفاً. والدليل على ذلك أن الجيش اللبناني انسحب من جنوب الليطاني، لأنه لا يريد أن يتعرض لضربات قاسية. وكان من المفترض أن يكون أمام حزب الله حتى 31 كانون الأول/ديسمبر 2025 لتسليم سلاحه. لكن الجيش اللبناني، الذي يتكوّن ثلاثة أرباعه من الشيعة، غير قادر على نزع سلاح الميليشيا.

يذكّر الوضع الراهن بحرب 2006. حيث كان الإسرائيليون قد انسحبوا من لبنان عام 2000. وواجه حزب الله انتقادات متزايدة، بينما كان البلد يشهد ازدهاراً اقتصادياً نسبياً، حيث كانت مشاريع رفيق الحريري قد بدأت تؤتي ثمارها. خلال صيف 2006، كان العديد من السياح من دول الخليج يزورون لبنان. وتساءل المواطنون اللبنانيون عن سبب احتفاظ حزب الله بسلاحه، وبدأوا يطالبون بنزع سلاحه. استفزت الميليشيا الجيش الإسرائيلي بمهاجمة دورية قرب مزارع شبعا، وهي منطقة متنازع عليها بين لبنان وإسرائيل، مما أشعل فتيل الحرب. كانت كارثة على البلاد، لكن حزب الله تحدث عن “نصرٍ إلهي”، مما سمح لزعيمه، نصر الله، بتبرير احتفاظه بالأسلحة.

إذا شنّ الإسرائيليون هجوماً برياً، فقد ينتهي الأمر بنتائج وخيمة. من المرجح أن يحتلّوا المرتفعات في جنوب لبنان لتجنب إخلاء شمال الجليل مجدداً، كما فعلوا عام 2023. وبفضل “القبة الحديدية”، يمكنهم اعتراض الصواريخ نظراً لمسارها البيضاوي. مع ذلك، فإنّ إطلاق النار المباشر من المدافع المضادة للدبابات قد يصيب قرى في شمال إسرائيل. أشكّ في أن يُخاطر الجيش الإسرائيلي بالتوغل أكثر في لبنان. من جهة أخرى، إذا تسبّب القصف في سقوط عدد كبير من الضحايا المدنيين، فقد يُثير ذلك غضباً مماثلاً لمجزرة قانا عام 2006، أو ما يُزعم أنه قصف مستشفى الشفاء في غزة مؤخراً، ما سيؤثر على دعم إسرائيل من الدول الغربية. الرأي العام متقلب وحساس للغاية تجاه الخسائر في صفوف المدنيين، والتي قد تُشوّهها وتُضخّمها دعاية حزب الله.

ليكسبريس: بأي معنى يمكن أن تُعدّ الصين، وهي الخصم الكبير للولايات المتحدة، سبباً أساسياً في قرار الأخيرة مهاجمة إيران؟

بالانش: تشكل الصين هاجساً رئيسياً في أوساط النفوذ ومراكز الأبحاث في واشنطن، وذلك على مدى السنوات الخمس عشرة الماضية. وتتلخص الاستراتيجية الأميركية برمتها في العالم اليوم في الحفاظ على مكانتها كقوة مهيمنة ومنع الصين من تجاوزها.

أنهى باراك أوباما الاحتلال العسكري الأميركي للعراق عام 2011، لأن الصين كانت في تلك الأثناء تشهد نمواً اقتصادياً قوياً وأصبحت ثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم. وقد حدث تحوّل في السياسة الخارجية الأميركية نحو منطقة آسيا-المحيط الهادئ. كما أطلق أوباما الاتفاق النووي مع إيران بهدف إيجاد شرق أوسط أكثر هدوءاً، بحيث لا يضطر الأميركيون إلى التدخل فيه باستمرار، حتى يتمكنوا من التركيز بالكامل على الهدف الصيني. لكننا نعلم أن الجغرافيا السياسية لا تحتمل الفراغ، ولذلك حاول الصينيون ملء هذا الفراغ مكان الأميركيين.

خلال الفترة نفسها، شهد قطاع الطاقة في الولايات المتحدة طفرة في إنتاج النفط والغاز الصخري، وبدأ تشغيل حقول نفطية في ألاسكا. كان أوباما يدرك تماماً أن الولايات المتحدة مضطرة للتدخل في الشرق الأوسط لضمان أمنها الطاقي. ومن المهم التذكير بأنه في عام 1990، عندما كان بوش الأب يخوض حرباً على العراق، استوردت الولايات المتحدة 45% من نفطها. كان الشرق الأوسط آنذاك عنصراً أساسياً لأمنها الطاقي. أما اليوم، فقد تغير الوضع، إذ أصبحت الولايات المتحدة مُصدِّراً صافياً (أي تصدر أكثر مما تستورد) للمواد النفطية منذ عام 2020. تستغل الشركات الصينية 50% من النفط العراقي، بينما يبلغ إنتاج العراق 4.5 مليون برميل يومياً، ما يجعله خامس أكبر مُصدِّر في العالم. بالمقارنة، تُنتج المملكة العربية السعودية 9 ملايين برميل يومياً. مع انسحاب الشركات الغربية من المنطقة، تتجه الغالبية العظمى من المواد النفطية الآن إلى آسيا. ما يقرب من 40% من المواد النفطية التي تمر عبر مضيق هرمز تذهب إلى الصين. وينطبق هذا على 99% من نفط إيران، الذي تضطر طهران لبيعه لبكين بأسعار زهيدة للغاية بسبب العقوبات.

بالنسبة للولايات المتحدة، يُعدّ التحكم في موارد النفط والغاز الفنزويلية، والآن الإيرانية، جزءاً من استراتيجية أوسع لحرمان الصين من الطاقة الوفيرة والرخيصة بهدف الحدّ من نموها. ويرون أن الشرق الأوسط يجب أن يبقى منطقة نفوذ أميركية.

ليكسبريس: تصفون السياسة الخارجية الحالية لدونالد ترامب بأنها عودة إلى “الواقعية الهجومية”. أليس في ذلك إضفاء لعمق استراتيجي مبالغ فيه على سياساته؟ فقد لاحظنا الارتباك والحيرة داخل إدارته في تبرير هذا التدخل في إيران، حيث قدّم كلٌّ من ماركو روبيو وترامب أسبابًا متناقضة…

بالانش: من الواضح أن هناك مشاكل في التواصل. لكن السيطرة على موارد النفط، في سياق التنافس الشديد مع الصين، ليست استراتيجيةً حكيمة. لم يدرس ترامب في معهد العلوم السياسية، لكنه قطب عقاري مولعٌ بإبرام الصفقات، وغالباً ما يخلط بين مصالحه الشخصية ومصالح مؤيديه – بما في ذلك جماعات الضغط النفطية – وبين مصالح بلاده. ومع ذلك، تحيط به مراكز أبحاث تُجري دراساتٍ معمقة. تحدثتُ مع زميلٍ لي من معهد هدسون، وهو مركز أبحاث محافظ للغاية، أخبرني في أكتوبر بما سيحدث في فنزويلا، وفي يناير بما حدث في إيران. إذن، ثمة استراتيجية حقيقية وراء شخصية ترامب الإعلامية. دعونا لا ننسى أن رونالد ريغان كان ممثلاً ثانوياً في السابق، لكنه يبقى المنتصر في الحرب الباردة. وراء كل رئيس مؤسسات ومراكز أبحاث ووزارة الدفاع (البنتاغون) ووكالة المخابرات المركزية، مليئة بأشخاص لامعين لا نراهم على شاشات التلفزيون. أما في صدارة المشهد، فنجد ديماغوجيين مثل جيه. دي. فانس وماركو روبيو. لا يُظهر المقربون من دونالد ترامب دائماً صورة جادة. يبدو أن كل شيء يسير وفقاً لنزوات رجل واحد، لكن هناك استراتيجية حقيقية داخل هذه الإدارة، تركز على الصين.

ليكسبريس: هل سيؤتي هذا الهجوم ثماره بالنسبة للأميركيين؟

بالانش: بدأ هذا الهجوم يؤتي ثماره. فمنذ الربيع العربي، بدأ حلفاء الولايات المتحدة التقليديون، كتركيا والسعودية، بالابتعاد تدريجياً عن الولايات المتحدة والتقارب مع روسيا والصين، وأصبحوا أقل استجابة لمطالب الإدارة الأميركية. وفي سبتمبر/أيلول 2022، شكّل رفض ولي العهد السعودي محمد بن سلمان زيادة إنتاج النفط، بناءً على طلب جو بايدن، لمواجهة ارتفاع الأسعار المرتبط بحظر النفط الروسي، صدمةً لواشنطن، التي اعتادت على أن الرياض، بموجب اتفاقية كوينسي الموقعة عام 1945، تنظم إنتاجها النفطي بما يخدم المصالح الأميركية، مقابل ضمان الولايات المتحدة لأمن المملكة. وكان رفض محمد بن سلمان طلب بايدن – الذي لم يكن يخيف بالتأكيد-، بمثابة إشارة قوية.

اليوم، ومع نشر هذا الأسطول، تُقرّ دول الخليج بعودة القوة العسكرية الأميركية. بالطبع، تشعر هذه الدول بالقلق على مصالحها الاقتصادية والمالية المباشرة، وتخشى على عواصمها. ولكن قبل كل شيء، تُدرك أن الولايات المتحدة لا تزال قوة عالمية لا يمكن اللعب معها. وهذه ليست المرة الأولى التي يوجه فيها الأميركيون هذه الرسالة. ففي سبتمبر/أيلول، كانت الضربة الإسرائيلية على مقر حماس في الدوحة، والتي ما كان لها أن تُنفذ لولا موافقة واشنطن، بمثابة تحذير لقطر، التي اعتُبرت قريبة جداً من إيران. وقد أتى هذا التحذير ثماره، لأن الدول التي بدأت التقارب مع الصين وروسيا تبدو الآن وكأنها تعود بحذر إلى كنف الولايات المتحدة. ويكمن التحدي الآن في منع هذا التقارب من أن ينتهي بمستنقع مماثل لما حدث في العراق.

ليكسبريس: ما هو رد الصين؟ يُتوقع أن بكين لن تدع هذا الأمر يمر دون رد فعل…

بالانش: يدرك الصينيون هذه الاستراتيجية وقد توقعوها. ففي فنزويلا، لم يكن بوسعهم فعل الكثير، إذ تُعتبر جزءاً من منطقة النفوذ الأميركي. لكنهم يقاومون في أماكن أخرى، في البرازيل على سبيل المثال، حيث لهم مصالح اقتصادية ضخمة. كما يسعون إلى التقارب مع أوروبا، كما يتضح من المكالمة الهاتفية بين جان نويل بارو ووانغ يي (ملاحظة المحرر: وزير الخارجية ومدير مكتب لجنة الشؤون الخارجية المركزية للحزب الشيوعي الصيني). وعلى الصعيد العسكري، زودوا الإيرانيين بمعدات، مثل وقود الصواريخ. علاوة على ذلك، تستخدم إيران صواريخ كورية شمالية مُحَدَّثة من قِبل الصين. ويبدو أن هناك أيضاً غواصات مسيّرة. باختصار، تحاول بكين احتواء النفوذ الأميركي ومنع تغيير النظام في طهران، ولكن دون التورط بشكل كبير.

قد تتخذ الصين دور الوسيط، ضاغطةً على إيران للتخلي عن أسلحتها النووية مقابل ضمانات من الولايات المتحدة بعدم السعي لتغيير النظام وعدم السيطرة الكاملة على موارد الطاقة في البلاد. تقوم سفن حربية صينية بدوريات في المحيط الهندي. وتحتفظ الصين بقواعد عسكرية كبيرة في المنطقة، مثل جيبوتي، التي تضم قاعدة ضخمة تحوي نحو 5000 جندي ومعدات عسكرية كبيرة، وميناء جوادر في باكستان. وتراقب الصين التطورات عن كثب. في النهاية، يمكن تفسير الحصار الإيراني لمضيق هرمز كوسيلة من طهران للضغط على حليفتها الصينية للتدخل ومساعدتها، نظراً لأن بكين هي الأكثر تضرراً.

ليكسبريس: هل تنجح الاستراتيجية الإيرانية في نشر الفوضى في الشرق الأوسط؟

بالانش: إنها استراتيجية غير واقعية وانتحارية، حتى وإن بدت منطقية من وجهة نظر النظام الإيراني، الذي يتبنى رؤيته الخاصة للأمور. في طهران، يسود شعور بأنها السبيل الوحيد لتجنب الإبادة على يد الولايات المتحدة. مع ذلك، لا يمتلك القادة الإيرانيون رؤية موضوعية لموازين القوى، فهم يفكرون ضمن فقاعة أيديولوجية وارتيابية، ما يدفعهم إلى المبالغة في تقدير بعض مصادر الدعم وسوء فهم الحقائق الإقليمية. على سبيل المثال، هم مقتنعون بأن الشعب الشيعي في لبنان سيحشد حشوداً غفيرة إلى جانب حزب الله، أو أن انتفاضات قد تندلع في دول الخليج ضد الأنظمة التي تُعتبر متساهلة للغاية مع الغرب وغير ملتزمة بما يكفي بالقضية الفلسطينية.

يتم تجاهل حقيقة أن القضية الفلسطينية لم تعد تحظى باهتمام واسع في المنطقة كما كان في السابق. ففي قطر والإمارات والبحرين والسعودية، لم أسمع أحداً يتحدث عنها مؤخراً. بل إن هناك نوعاً من الملل، بل وحتى الأنانية، تجاه القضية الفلسطينية، إذ يشعر الكثيرون أنهم موّلوا نضالاً لعقود دون نتائج ملموسة. في العلن، لا يزال من اللائق إظهار التضامن مع فلسطين. لكن إذا تحدثت إلى الناس على انفراد، سواء كان سائق تاكسي أو صاحب متجر أو سياسياً، ستجد أن الخطاب مختلف تماماً. في أحاديث غير رسمية، يصرح العديد من المسؤولين بوضوح تام أنه لن يكون هناك تمويل لإعادة إعمار غزة. وقد صرّح ولي العهد محمد بن سلمان بذلك مؤخراً: فهو يفضل الاحتفاظ بالمال لشعبه.

في النهاية، أعتقد أن الإيرانيين يبالغون في تقدير استعداد الصين للدفاع عنهم. فهم يغفلون أن الصينيين يعملون وفق منطق مختلف تماماً. وقد رأينا ذلك جلياً في سوريا مع بشار الأسد، الذي اعتقد بسذاجة أن الصين ستشارك في إعادة إعمار البلاد. لكن بعد زيارته لبكين عام 2023، اضطر لمواجهة حقيقة أن الاستثمارات الصينية لن تأتي. ببساطة، من وجهة نظر بكين، لا سوريا ولا إيران محور القضية. فالصينيون لن يخوضوا مواجهة عبثية مع الولايات المتحدة للدفاع بأي ثمن عن نظام يعتبرونه غير مسؤول وضعيفاً للغاية.

ليكسبريس: إذاً النظام الإيراني أُعْمِيَ عليه تماماً بسبب أيديولوجيته…

بالانش: قطعاً. لقد ارتكزت الاستراتيجية الإقليمية لإيران، منذ سقوط صدام حسين عام 2003، إلى حدّ كبير على بناء “محور” يربط طهران بالبحر المتوسط عبر العراق وسوريا ولبنان. وقد نجح ذلك إلى حدّ ما بين عامي 2017 و2024، إذ تمكنوا من إقامة تواصل جغرافي متصل بين طهران وبيروت. لكن هذه البنية اصطدمت بضعف الثقل الديمغرافي للشيعة في المنطقة. فـسوريا مثلاً ذات أغلبية سنية، ولا يشكّل الشيعة الاثنا عشريون فيها سوى نحو 1٪ من السكان. وحتى إذا أضفنا العلويين والدروز والإسماعيليين، وهي أقليات تُصنَّف أحياناً ضمن المجال الشيعي، فإن نسبتهم لا تتجاوز نحو 15٪ من السكان.

لقد أعمي على القادة الإيرانيين بسبب إيديولوجيتهم، فقد بالغوا في تقدير قدرة خطابهم عن “محور المقاومة”، الصراع ضد إسرائيل، والدفاع عن القضية الفلسطينية، في استمالة العرب السنة إلى معسكرهم. الواقع مختلف تماماً: فالاستقطابات الطائفية تبقى قوية جداً، والتعبئة حول القضية الفلسطينية لا تكفي لتجاوز التنافس والصراعات بين السنة والشيعة.

أما الآن، فالسؤال المطروح هو تماسك إيران الداخلي، إذ لم يعد الفرس يشكّلون سوى نحو 50٪ من السكان. وقد انخفضت معدلات الخصوبة لديهم بشكل كبير، لتصبح أقل من 1.5 طفل لكل امرأة، في حين تبقى أعلى لدى بعض الأقليات مثل البلوش، حيث تتراوح بين ثلاثة وأربعة أطفال لكل امرأة، أو الأكراد، بنحو ثلاثة أطفال لكل امرأة. غير أن بعض هذه الجماعات تعاني بوضوح من التمييز. أما الأذريون، وهم من الشيعة، فهم أكثر اندماجاً وارتباطاً بالسلطة. لكن التباين بين وضعهم وبين التطور الاقتصادي في أذربيجان المجاورة قد يضعف، على المدى الطويل، هذا التضامن القائم على الانتماء المذهبي.

ليكسبريس: وماذا عن روسيا فلاديمير بوتين في كل هذا؟

بالانش: الروس منشغلون في أوكرانيا، فهذه هي أولويتهم الحقيقية. وقد رأينا دونالد ترامب يقدّم لفلاديمير بوتين عروض سلام شديدة الملاءمة له: الاعتراف بضمّ القرم، وتحويل كامل إقليم دونباس إلى كيان موالٍ لروسيا، وسحب الدعم العسكري الأميركي لفولوديمير زيلينسكي. وقد يكون من الممكن تصور وجود ترتيب ضمني بين واشنطن وموسكو، بحيث لا يتدخل بوتين في إيران ولا يزوّدها بالأسلحة أو المعدات.

الحقيقة هي أن العلاقات بين موسكو وطهران، خلال السنوات الأخيرة الماضية، تدهورت تماماً. ففي الواقع، كان فلاديمير بوتين محبطاً جداً من الإيرانيين. فعندما تدخلت روسيا عسكرياً في سوريا في أيلول/سبتمبر 2015، أنقذت نظام بشار الأسد وكذلك المحور الإيراني في الشرق الأوسط. في ذلك الوقت، توصل الروس إلى اتفاق مع إسرائيل يقضي بأن تتركهم يتصرفون، مقابل ألا يقترب الإيرانيون من الجولان، وألا يتقدموا إلى جنوب دمشق، وألا يستخدموا سوريا لتهديد إسرائيل. لكن الإيرانيين لم يلتزموا بتعهداتهم. وفوق ذلك، فإن الهدف الأيديولوجي الإيراني القائم على المواجهة مع إسرائيل يتعارض مع المصالح الأكثر واقعية لموسكو، التي تسعى بدلاً من ذلك إلى الحفاظ على علاقات جيدة مع الدولة العبرية، حيث يعيش نحو مليون ونصف المليون يهودي من أصول روسية.

كان إنقاذ نظام بشار الأسد يهدف أيضًا إلى استعادة صورة روسيا بوصفها قوة عالمية، وإلى كسب حلفاء استراتيجيين بين دول “الجنوب العالمي”. ومنذ عام 2015، حرص فلاديمير بوتين على ترسيخ صورة القائد القادر على إنقاذ الأنظمة الحليفة المهددة بالانتفاضات، في حين كانت القوى الغربية قد تخلّت عن حلفائها مثل زين العابدين بن علي في تونس أو حسني مبارك في مصر. وكانت الرسالة الموجهة إلى حكّام “الجنوب العالمي” المستبدين هي أن روسيا لن تكترث بمزاج شعوبهم، وأنها ستزوّدهم بالوسائل التي تمكّنهم من البقاء في السلطة. غير أن هذا الوعد يبدو اليوم أقل مصداقية بكثير. ولذلك فإن بوتين يحمل قدراً من الضغينة تجاه الإيرانيين.

ليكسبريس: لقد قلتم إن “ترامب سيذهب إلى النهاية”. هل يعني هذا أن الولايات المتحدة ربما تتدخل على الأرض للتأثير على مستقبل النظام فيها؟

بالانش: يرفع دونالد ترامب سقف مطالبه عالياً عبر هدف تغيير النظام، لكنه قد يخفّض طموحاته إذا تبيّن أن الوضع أكثر تعقيداً مما كان متوقعاً. وثمة خيار آخر يتمثل في سيناريو “فنزويلي”، أي حدوث تغيير من داخل النظام نفسه، بحيث تقبل نخب إيرانية بالتخلي عن البرنامج النووي والصواريخ الباليستية. ففي الواقع، يوجد داخل النخب السياسية تيار يرى أنه ينبغي التوقف عن دعم حزب الله وعن البرنامج النووي، والتركيز بدلاً من ذلك على التنمية الاقتصادية للبلاد. لكن حتى الآن، التيار المعاكس هو الذي يقود البلاد؛ وهو التيار الذي يعتبر أن إيران بحاجة إلى القنبلة الذرية لحماية أراضيها، وإلى حلفاء أو وكلاء إقليميين ليُخشى جانبها ضمن استراتيجية إقليمية ذات طابع توسعي. وإذا انتصر التيار الانعزالي، فقد يكون ذلك حلاً مقبولاً بالنسبة إلى ترامب. لكن يبقى السؤال ما إذا كان هذا التيار قادراً فعلاً على فرض نفسه.

أما سيناريو حدوث تغيير حقيقي للنظام، فسيتطلب وجود معارضة مسلحة قادرة على الاستيلاء على السلطة. غير أن الحرس الثوري وميليشيات الباسيج ما يزالان قويين ومُصَمِّمَين بعمق على إنقاذ النظام الذي يستمدّان منه امتيازاتهما، خصوصاً أن الخوف من الانتقام في حال سقوط النظام يعزّز على الأرجح من تصميمهم. وفي الوقت الراهن، لا توجد أي معارضة مسلحة قوية بما يكفي لإسقاط السلطة. صحيح أنه كانت هناك تمردات في الأطراف، مثل تلك التي شهدها بلوشستان، لكنها ضعفت كثيراً في السنوات الأخيرة. ومن المرجح أنها ستحتاج إلى دعم باكستان حتى تستعيد زخمها من جديد.

ومن جهة الأكراد، الذين يشكّلون نحو 15٪ من سكان إيران، فهناك بعض التنظيمات مثل كومله وبيجاك (حزب الحياة الحرة الكردستاني)، المتمركزة في شمال العراق. وقد التقيت ببعض مسؤولي هذه التنظيمات. لكن لا يبدو لي أنهم قادرون على إسقاط النظام الإيراني، ولا حتى على استعادة السيطرة على كردستان الإيرانية. وعلى أي حال، فإن الأكراد أنفسهم لا يرغبون فعلياً في أن يكونوا في طليعة انتفاضة ضد طهران. فهم لا يريدون أن يُتركوا لاحقاً لمصيرهم أمام أعدائهم، كما حدث مع إخوتهم في سوريا، بعدما شُجّعوا على التمرد ثم تُركوا وحدهم.

وأخيراً، تبقى فرضية التدخل العسكري المباشر، بقوات برية. أي نوع من “جيش تحرير” أميركي يتقدم نحو طهران ويكسب السكان لدعمه، كما فعلت الولايات المتحدة في العراق عام 2003. لكنني أشك في أن تكون الولايات المتحدة مستعدة للذهاب إلى هذا الحد. فإيران أكبر من العراق، والنظام الإيراني أقل ضعفاً مما كان عليه نظام صدام حسين في ذلك الوقت.

 

***

ترجمه إلى العربية أسامة حرفوش