في مواجهة الهجمات من إسرائيل والولايات المتحدة، فإن حجم الرد الإيراني، الذي يستهدف على وجه الخصوص الممالك النفطية
الخليجية، يزيد من خطر زعزعة استقرار المنطقة بشكل دائم .
تحل يل الجغرافي فابريس بالانش، المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، والمحاضر في الجغرافيا بجامعة ليون 2 .
حوا ر أجراه جان بوسكو هيربان، لصحيفة لو فيغارو، نش ر بتاريخ 03 مار س/آذا ر 2026 .

لوفيجارو – طهران أكدت مقتل مرشدها الأعلى، علي خامنئي، في العملية العسكرية الأمريكية الإسرائيلية. هل تهدف الهجمات التي شنتها تل أبيب وواشنطن بالدرجة الأولى إلى تغيير النظام في إيران؟ وما هي السيناريوهات المحتملة الآن؟

فابريس بالانش: بالنظر إلى حجم الهجوم، فإن واشنطن تُفكّر بالفعل في تغيير النظام. والسؤال الآن هو ما إذا كانت تمتلك الوسائل اللازمة لتحقيق ذلك. الاحتمال الآخر هو تغيير داخلي للنظام، على غرار فنزويلا، على أمل وجود عسكريين داخل الجهاز انشقوا عن الحرس الثوري وقرروا التخلي عن أيديولوجية الجمهورية الإسلامية.

الشرط الأساسي لتغيير النظام في إيران هو ظهور معارضة مسلحة إيرانية. وهذا غير متوفر حالياً. في السنوات الأخيرة، ظهرت حركات مسلحة في بلوشستان، شرق البلاد، على الحدود مع باكستان، لكن لم يُسمع عن هذا التمرد المسلح منذ فترة طويلة. أما على الجانب الكردي، فقد شنت حركات بالفعل غارات من العراق على إيران، لكن من غير المرجح أن تمتلك هذه الحركات القدرة على تحريض الأكراد الإيرانيين على الثورة. علاوة على ذلك، بالنظر إلى أن الولايات المتحدة تخلت مؤخراً عن الأكراد السوريين، متجاهلة وعود الحكم الذاتي التي قطعتها خلال الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية، أجد صعوبة في تصور قيادتهم لانتفاضة.

لوفيجارو – كيف يمكن لمشاركة إسرائيل في هذه الهجمات المشتركة مع الولايات المتحدة أن تقلب موازين القوى في الشرق الأوسط، وخاصة المكانة التي تحتلها الدولة اليهودية؟

بالانش: منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، قررت إسرائيل ضمان أمنها على المدى البعيد، وشرعت في استراتيجية لإعادة تشكيل الشرق الأوسط. وقد أصبحت، وتعتبر نفسها كذلك، قوةً رئيسيةً في الشرق الأوسط قادرةً على توجيه ضربات في أي مكان، حتى في قطر. كانت الضربات الأخيرة على قطر تستهدف ظاهرياً مقر حماس، لكن الهدف الحقيقي كان توجيه رسالة إلى السلطات القطرية بالتوقف عن دعم حماس. وبفضل الدعم الأمريكي، باتت إسرائيل مهيمنةً في الشرق الأوسط. وبفضل الاستخبارات الإسرائيلية، تتسم الضربات الأمريكية بالقوة والدقة. وقد نشأت بين البلدين شراكةٌ متينةٌ للغاية، وعلاقةٌ قائمةٌ على التكافل الحقيقي.

لوفيجارو – كيف ينبغي تحليل السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط؟ ولماذا راهنت إدارة ترامب على التدخل المسلح في إيران؟

بالانش: الهدف الأساسي للتدخل الأمريكي هو تجنب امتلاك إيران للسلاح الذري. كما أن أمن إسرائيل ودول الخليج مُهدد. إذ تدفع هذه الأخيرة ثمناً باهظاً لأمنها. لدى عودته إلى السلطة، قام دونالد ترامب بجولة في الخليج في ربيع عام 2025. حصل على استثمارات بقيمة تريليون دولار من السعودية وقطر والإمارات، وأبرم العديد من صفقات شراء المعدات العسكرية. لا تحتاج ممالك الخليج النفطية بالضرورة إلى هذه المعدات، لكنها تدفع ثمن حمايتها. لذلك، شعر دونالد ترامب بأنه مُلزم بالدفاع عنها في هذه الحرب التي كانت تخشاها بشدة.

كانت هذه الدول تأمل في حل مشكلة الملف النووي الإيراني عبر المفاوضات. في الواقع، قرر دونالد ترامب، الذي كان بحاجة إلى حل المشكلة الإيرانية قبل اقتراب انتخابات التجديد النصفي (في نوفمبر 2026) التي قد تُؤثر على سياسته الخارجية، حلّ المعضلة بالضرب. فشلت رئاسة جو بايدن في منع طهران من امتلاك أسلحة نووية، إذ نجحت إيران بين عامي 2020 و2024 في تخصيب كمية كبيرة من اليورانيوم، مقتربةً من العتبة الحرجة. لذا بات التحرك ضرورة ملحة.

كما يجب تحليل استثمارات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط في سياق تنافسها مع الصين على صدارة القوة العالمية. علاوة على ذلك، يُشبه شعار “لنجعل أميركا عظيمة مجدداً” شعار رونالد ريغان “أميركا عادت” عام 1981، الذي نجح في مواجهة الاتحاد السوفيتي. هذا التدخل جزء من استراتيجية أميركية أوسع لإعادة ترسيخ نفوذها. وقد نأى حلفاؤها في الشرق الأوسط بأنفسهم عنها مؤخراً، متقاربين مع الصين وروسيا. ومن خلال استعراض قوتها، تُرسّخ الولايات المتحدة هيمنتها على الشرق الأوسط.

لوفيجارو – استهدفت إيران في ردها إسرائيل والسعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة. هل ثمة خطر من اندلاع حرب إقليمية؟ وهل تمتلك إيران القدرة على شن حرب ضد كل هذه الدول؟

بالانش: إذا استهدف الإيرانيون المنشآت النفطية ومحطات توليد الكهرباء ومحطات تحلية مياه البحر، فقد تنهار هذه الدول، لأن نموذج تنميتها يجعلها هشة في حال اندلاع حرب. وإذا تسببوا في كارثة تسرّب نفطي في الخليج، فإن محطات تحلية مياه البحر ستتوقف عن العمل بسبب تلوث المياه. وإلى جانب استهداف البنى التحتية الحيوية لهذه البلدان، يستطيع الإيرانيون دائماً استخدام حزب الله والميليشيات الشيعية العراقية لضرب القواعد الأميركية المجاورة واستهداف المصالح الغربية. وقد عاد حزب الله إلى مهاجمة إسرائيل رغم هزيمته في خريف 2024 واتفاقات وقف إطلاق النار. وبذلك فقد ما تبقى له من رصيد لدى الشعب اللبناني، بما في ذلك داخل البيئة الشيعية. ولم يتأخر الرد الإسرائيلي. إن هذا السلوك الذي يوصف بالانتحاري من جانب إيران، والمتمثل في جرّ ميليشياتها الحليفة إلى الصراع، قد يشعل الشرق الأوسط بأكمله، وهو أصلاً مُنهك بفعل نزاعات داخلية متواصلة.

لوفيجارو – أدت الحرب في الشرق الأوسط إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط والغاز. هل نتوقع أزمة طاقة عالمية ?

بالانش: بدون إمدادات الوقود من الشرق الأوسط، سترتفع أسعار الطاقة بلا شك. ومع إغلاق مضيق هرمز، يصبح أمن الطاقة في أوروبا مهدداً، مع العلم أننا محرومون أصلاً من المحروقات الروسية. وقد تقوم إيران، بمساعدة حلفائها الحوثيين، بفرض حصار على مضيق باب المندب من شمال اليمن. ولا يُستبعد أيضاً اتخاذ إجراءات في قناة السويس، ما قد يمكنهم من نسف سوق النفط والغاز العالمي، حيث يعتمد الجزء الأكبر منه على عقود طويلة الأجل. في نهاية المطاف، لا يتوفر سوى القليل جداً من النفط الحر في السوق. فمن أصل مئة مليون برميل يستهلكها العالم يومياً، لا تشكّل الكمية المتاحة للتداول الحر سوى القليل. أما الباقي، فهو محجوز بموجب عقود آجلة يتم التفاوض عليها مباشرة بين الأطراف خارج الأسواق المنظمة. إذا نفدت إمدادات النفط والغاز من الخليج لبضعة أشهر، فسيتعين على الحكومات والشركات الكبرى التي تتفاوض مباشرة مع الدول المنتِجة اللجوء إلى السوق المفتوحة، حيث يمكن أن ترتفع الأسعار بوتيرة أسرع بكثير. ومع ذلك، لا يُتوقع حدوث نقص، إذ تمتلك الولايات المتحدة حالياً طاقة إنتاجية فائضة بفضل الوقود الصخري، على الرغم من ارتفاع تكلفة استخراجه. يمكن أيضاً استغلال الحقول البحرية المنتشرة حول العالم، والتي تتطلب تكاليف استخراج مرتفعة، على نطاق أوسع. ومع ذلك، سيترتب على ذلك بلا شك تكلفة على الاقتصاد العالمي، لا سيما بالنسبة للدول التي تفتقر إلى الاستقلال الطاقي، مثل دول أوروبا.

ترجمه إلى العربية أسامة حرفوش